الرئيسية - النشرة - جريمة وجيه الآوجامي الحقيقية

جريمة وجيه الآوجامي الحقيقية

في ظني، أن حدث التحقيق مع وجيه على مدى الأشهر الماضية، وماتلاه من توجيه النيابة العامة تهما رسمية له، يستحق التوقف عنده. هو ليس حدثا عاديا في الأوساط النخبوية والوجاهاتية (المناصرة) لظلم وقمع الحكومة، فهو يصب عليهم المزيد من الخوف ويدفعهم للمزيد من الإرتهان والتعمق في المستنقع الموحل، كما إنه من جهة أخرى حدث له وقعه على نفوس المضطهدين والمظلومين وأسرهم، الذين نالهم أذى القمع الحكومي، وهم يرون أحد الأدوات التي ناصرت الظلمة عليهم، تقع في شر أعمالها، فقد كان وجيه نصيرا سافرا للحكومة، لايخجل ولا يتردد، حتى في الرقص على دماء الشهداء.

علي الدبيسي

التهم الموجه لوجيه، بغض النظر عن صحة بعضها أم لا، وبغض النظر عن ما إذا اتفقنا أو أختلفنا حول كونها جريمة أم ليست جريمة، فهي إجمالاً ليست مسألة مهمة لدى حكومة فاسدة مجرمة، فيمكنها التعامي عنها فيما لو كانت ورقة وجيه هامة لديها بقدر ما، ولكنها الآن احترقت.

توضح التهم التي وجهت لوجيه، أن الحكومة يمكنها أن تُجرم الكثيرين متى ما أرادت، وفي الحقيقة، فإن مجمل المناصرين للظالم، ممن يستخدمهم كأدوات في قمع المجتمع والإستقواء عليه، يمكن للحكومة أن توجد لهم عشرات التهم، وتقيم لهم المحاكم. فتحت عناوين (الفساد الذي صممته) يمكنها أن توقع بأي رجل أعمال، وتحت عناوين متعددة كذلك تستطيع أن توقع بأي عمامة، وتحت عناوين كثيرة كذلك تستطيع أن توجد مآخذاً على المناضلين والمطالبين بالعدالة الذين إنقلبوا إلى منهج معاكس.

وجيه الأوجامي ومتعب بن عبد العزيز
وجيه الأوجامي ومتعب بن عبد العزيز

الجريمة الفعلية، والأهم، والأخطر، التي إرتكبها وجيه، تمثلت في (مناصرة الظالم ضد المظلوم)، وبمعنى آخر: جريمة وجيه هي تضعيف الحق والعدالة، ومناصرة الباطل والظلم. ففي الوقت الذي كانت هناك الجماهير والقادة تبذل الأثمان في سبيل الحقوق والعدالة، يصطف وجيه مع الظالم ويجعل من نفسه أداة زور رخيصة ضد المضطهدين. هذه الجريمة تحمل مآلات كبرى، فهي تقوض العدالة وتجعلُ المجتمع مرتهن لمزاج المستبد، وتجعل من الفضيلة جريمة، وتجعل من المطالبة بالحق إثارة شغب، وتجعل من طلب العدل زعزعة للأمن، وتجعل من المُطالب بالحقِ خارجا على ولي الأمر، وتجعل من الجميع تحت رحمة منظومة الظلم التي أسسها المستبد وجعل أركانها: النيابة والمحاكم ونواياه الخبيثة وقوانينه المعوجة، فيسلطها على من يشاء ويسميها (عدالة). وجيه أجرم بحق نفسه، وفي لحظة من اللحظات إنقلبت عليه هذه المنظومة التي بذل عمره في مساندتها والإصطفاف معها. فهو ببساطة فتح الباب للحيوان المفترس وساعده في الإنقضاض على الضحايا، وبعد أن قام بمهمته على أكمل وجه، لم يبقى أمام المفترس سوى من فتح له الباب.

الحجة التي يستخدمها وجيه، ومن يزيد أو ينقص عنه في هذا النهج، إننا نقوم بخدمة المجتمع. ولكي لا نزايد في الجملة على أحد، أو نجحد حسن نوايا آخر، فإننا نقول أن أحد الخطوط الفاصلة في هذا المنهج، هو ما مدى ما تسهم به حركتك في تقوية العدالة وتعزيز الحقوق؟. هل نهجك يقود لتقوية الظالم وإضعاف المظلوم؟ هل لو جار عليك الظالم الذي خدمته بأي نسبة من النسب سيساعد نهجك الذي سايرته أو دعمته به، على حمايتك أم ستكون لقمة سائغة أمامه؟ أجوبة هذه الأسئلة تحمل دلالة كافية وأكيدة على بطلان هذه الحجة، وخيبةِ هذا المسار الذي يمكن تلخيصه في أنه منهج: (تقوية ظلم الحكومة مقابل التوهم بالحصول على الفتات) هذا إن تم الحصول عليه.

قد يقول قائل، يحتمل أن يصحى ضمير وجيه، بعد أن لفظه المستبد، ويبدأ بمراجعة نفسه والإنعتاق من الإرتهان للظالم والعبودية له. المسألة أعقد من ذلك، فالمباحث والإستخبارات، لاتكتفي بمجرد تشغيل أمثال وجيه خدمة لأهدافها، بل إنها تورطه وتدخله في قضايا تبقيه رهن الإستبزاز، ويصعب عليه الفكاك. ومن جهة أخرى فإن هذه النماذج التي غاصت عميقاً في وحل العبودية، فإنها غالبا ما تسير مع الظالم حتى آخرِ رمق، تستمر في الخضوع والتذلل، ويزيد خضوعها كلما اشتد دوس الظالم عليها.

يحتمل أن يحصل وجيه في مرحلة ما، على وساطة من كبار الفاسدين، ويحتمل لا، ولكن المرجح أنه بذل منذ بدء التحقيق حتى مرحلةِ تُهَمِ النيابة، كل ما يستطيع لإيقاف القضية، وذاق ومازال من كأس الذل دون أن ينتشله من القاع أحد. الحكومة لها أحيانا مآرب في القضاء على أدواتها، حيث تهدف لإخضاع أدوات أخرى وتركِسَهُم في المزيد من الخضوع، كما إنها تستخدم ذلك أحيانا لتقول أن لا أحد فوق القانون الأعوج، إلا نحن الفاسدين ومن رضينا عنه، حتى حين.

مابعد وجيه: الأمر المؤكد أن من أخطر مابلينا به، هم النماذج المماثلة لوجيه، والمشابهة، والمقاربة. فبدونهم يفقد الظالم أياديه في المجتمع، وتصبح مهمته أكثر صعوبة. ورغم أنه يمثل أهمية مرحلية للحكومة، إلا أن تخلصها منه في هذه المرحلة، إحدى الدلالات على أن الحكومة جهزت بدائل أكثر إفادة منه في وجهة نظرها، وبعضهم لم يحترقون في العلن مثل وجيه، فمازال لهم بعض البريق الذي قد يساعد على تمرير بعض أهد
اف الحكومة.

من يبحث عن العبرة، من مناصري الظالم، لن يجد أبلغ من الإعتقالات التي تمر على السعودية منذ قرابة سنة من الآن، والتي جرفت بعض من ناصر الحكومة على ظلمها، من رجال أعمال أو أمراء أو رجال دين. ولكن المؤكد أن البعض يستمر ويتوهم أن الدائرة لن تدور عليه.

كرس وجيه آخر سني حياته في دعم الظالم، ولو كان كرسها في دعم الحقوق والعدالة، لكان وجد من حوله -في هذه اللحظة التي يفترسه فيها الظالم- من يذب عنه ويدافع، ولكنه سيجد الإهانة في عين من ناصرهم، ولن يجد نصيراً ممن أعان على ظلمهم.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك